قبل حوالي عشر سنوات، في ليلة شتوية، كنت جالس مع ثلاثة من أصدقائي حول شبة نار، والقهوة حاضرة، والسوالف تمشي من موضوع لموضوع. وفي وسط الحديث جتني فكرة وقلت لهم:
كلنا اقتربنا أو دخلنا أو تعدّينا الأربعين سنة، وكل واحد فينا أكيد صار يشوف الحياة بطريقة مختلفة. سؤالي بسيط:
لو تبي تشرح فلسفتك للحياة، كيف بتصورها؟ من الطفولة إلى الشيخوخة… لكن على شكل مشهد.
الصديق الأول قال:
حياتي أشوفها مثل الشجرة تبدأ بذرة صغيرة محمية تحت التراب، وفي هالمرحلة أكون في رعاية الوالدين لين عمر ست سنوات. بعدها أطلع للعالم كجذع أخضر ضعيف، بأغصان وأوراق صغيرة، وأنمو تحت حماية الأشجار اللي حولي من العواصف والمطر.
تستمر هالمرحلة لين العشرين، وبعدها يقوى الجذع، ويتكوّن اللحاء، وتطلع الأزهار، وتصير الشجرة أقوى، وتتحمل تقلبات الفصول، وتقاوم الرياح، وتستمر هالمرحلة حتى الأربعين.
بعدها تثمر الشجرة، وتنشر بذورها، ويستظل تحتها عابر السبيل، وتبني الطيور أعشاشها بين أغصانها، وهذي المرحلة حتى عمر الستين.
وبعدها تبدأ مرحلة الجفاف، ويمكن تتحول لحطب يدفّي مثل الحطب هذا اللي قدامنا، أو قطعة أثاث، أو حتى عمل فني أو تحفة، لكنها تظل مفيدة للناس بشكل أو بآخر.
الصديق الثاني كان أبسط، وقال:
أشوف حياتي مثل متسلق جبل. من ولادتي حتى العشر سنوات أحبو على أرض مستوية، بعدها يبدأ الصعود الحقيقي. مرات أتعب، أو أتعثر، أو أطيح وأقوم وأكمل، ويمكن أصادف أماكن مناسبة للصعود تسهّل طريقي.
وهذا الوضع يستمر حتى أوصل قريب القمة عند عمر الأربعين. بعدها أكتشف إن القمة ماهي قمة حادة مثل ما توقعت، طلع سطح مستوي تقريبًا، أمشي فيه بهدوء، بطريق متعرج لكنه ما هو متعب، وأستمر فيه حتى عمر الستين.
بعدها يبدأ النزول من الجهة الثانية، وهو نزول هادئ، لكنه يحتمل خطر السقوط في أي لحظة.
الصديق الثالث، بحكم حبه للبحر، قال:
حياتي تبدأ من الشاطئ. ألعب بالرمل، وأجمع الصدف والأحجار الغريبة حتى عمر الـ15 سنة. بعدها أركب القارب، أبحر، أجدف، وأصيد.
أحيان البحر هادئ، وأحيان يقسو، وتمر علي عواصف، لكني أواصل الرحلة حتى عمر الأربعين.
في منتصف المحيط أصل لسفينة كبيرة، وأبحر فيها باتجاه جزيرة أعرف مكانها، وأستمر بالإبحار حتى أشوف الجزيرة من بعيد عند عمر الستين، وبعدها أستقر فيها، وأعيش هدوءها، وأستمتع بمناظرها.
وقتها جاء دوري، وقلت لهم:
زمان كنت أحس إن الحياة مثل الجبل اللي قاله خوينا تقريبًا، لكن في يوم شفت فراشة تطلع من شرنقتها، ومن وقتها صرت أشوف حياتي بشكل مختلف.
أشوفها تبدأ كبيضة صغيرة على ورقة شجر حتى عمر ست سنوات، بعدها تفقس وتصير يرقة، تمشي ببطء، تتعب، تطيح وتقوم، وتأكل من كل شيء حولها عشان تكبر.
المرحلة هذي مليانة حركة وتجارب وضجيج، كأنك تبني نفسك وحياتك قطعة قطعة، وأنت توك ما تعرف شكلك النهائي، وتأخذ من الناس، والتجارب، والمواقف، وحتى من أخطائك وأخطاء اللي حولك.
وهذا بالنسبة لي يستمر حتى عمر الأربعين… يعني كل اللي راح من عمري كنت فيه يرقة.
بعدها تبدأ مرحلة الشرنقة وهي مرحلة هادئة من الخارج، لكنها عميقة من الداخل. ما أحد يشوفك تتحرك، لكنك في الحقيقة تعيد تشكيل نفسك. ما عدت تركض مثل قبل، ولا تستهلكك الأشياء بنفس الطريقة، وتدخل في هدوء، أو عزلة اختيارية، أو صمت طويل، وفيها تراجع نفسك، وتتخفف من الزوائد، وتبني جلد جديد.
وتستمر هالمرحلة معك حتى عمر الستين، وبعدها تجي اللحظة المنتظرة… وهي الخروج
تطلع فراشة، ما هو بس بالشكل بل بالجوهر. حياتك تصير أخف، ما هو عشان الظروف تغيّرت، لكن لأنك أنت تغيّرت.
تتنقل بين الزهور، تختار رحيقك بعناية، ما تهدر وقتك، ولا ترد على كل صوت، ولا تركض وراء كل فرصة.
تعرف نفسك، وتعرف وش تبي، وتفهم إن التحوّل ما هو رفاهية… التحول ضرورة وإن اللي ما يمر بمرحلة الشرنقة، ما يعرف طعم الطيران.
تبدأ حياة مختلفة… أهدى، أصفى، وأخف ولا عاد تركض مثل أول، ولا تحاول ترضي الجميع، ولا تثبت شيء لأحد لان اللي فهمته من الدنيا يكفي، واللي ضاع فيها… ما عاد يهم.
وهنا يجي سؤالي لك:
هل تشوف حياتك في وحدة من هالصور؟
ولا عندك صورة ثانية، تشبهك أكثر؟
اكتبه جوابك في التعليقات
ملاحظة: الصور المستخدمة مولدة من تطبيق الذكاء الاصطناعي





الحياه ابتسامه وسعاده بما هو موجود لديك 🌹
والعيش بقيم روحية أو مبادئ إيجابية، وتتضمن التوازن بين الصحة الجسدية والعقليه والعطا والصبر ، وتجاوز التحديات بالابتكار بدلاً من الشكوى …مع التركيز على اللحظة الحالية والشكر بدلاً من السعي المستمر وراء المزيد ،،،،، وتجنب القلق من خلال حياة بسيطة وذات معنى ،،،، هذا ببساطه ياعسل 🌹🌺❤️😊
مقال ملهم يختصر رحلة الإنسان في الحياة؛ فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل تماماً كما يحدث داخل الشرنقة. اليرقة لم تستسلم لواقعها الزاحف، بل آمنت بأن لديها أجنحة مخبأة ستظهر في الوقت المناسب. الدرس الأجمل هنا هو أن الألم والمراحل الضيقة في حياتنا ليست إلا تمهيداً لانطلاقة أجمل وأوسع.